‏إظهار الرسائل ذات التسميات هايديجر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هايديجر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

سلافوي زيزاك (1949): أفضل التحليلات الماركسية دائما ما تكون تحليلا لفشل

المجال: الفلسفة السياسية - المذهب: الماركسية
ظهرت الفكرة التي تقول إنَّ أفضلَ التحليلات الماركسية هي التحليلات التي تتناول حالات الفشل، في مقابلة اجراها الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزاك عام 2008. فلقد سُئل زيزاك في المقابلة عن رأيه في أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968، حيث لم تكد تبدأ فترة من الإصلاح، هدفت إلى تخفيف مركزية القرار وزيادة الديمقراطية في البلد، حتى تم انهاؤها بشكل عنيف من قبل الاتحاد السوفييتي وحلفائه. أجاب زيزاك، أن سحق الإصلاحات أصبح لاحقا مصدرا لأسطورة حملها اليسار السياسي، ألا وهي: لو أن الإصلاحات سارت في طريقها، لحلَّ على أثرها نعيم سياسي واجتماعي.

السبت، 30 نوفمبر 2013

بارمنيدس (٥١٥-٤٤٥ق.م): الكل واحد

المجال: الميتافيزيقا - المذهب: الواحدية
فهم الكون (الكوسموس) هو أحد أقدم المطالب الفلسفية؛ في القرن العشرين قدمت فيزياء الكم أدلة على صحة أفكار بارمنيدس التي توصل إليها باستخدام العقل فقط. 
الأفكار التي قدمها بارمنيدس أحدثت تحولا عظيما في الفلسفة الإغريقية. متأثرا بالتفكير المنطقي والعلمي لفيثاغورس، وظّف بارمنيدس المنطق الاستنباطي في محاولة لكشف الطبيعة الحقيقة للعالم، وأدت به أبحاثه لاتخاذ موقف معاكس لموقف هرقليطس. 

من مقدمة أن شيئا ما يوجد (الذي هو الوجود)، استنبط بارمنيدس استحالة عدم وجود هذا الشيء (أي استحالة العدم)، لأن هذا يتضمن تهافتا منطقيا. ويتبع من هذا أن العدم محال، ولا يمكن أن يوجد الفراغ. وأنه يستحيل أن يجيء الوجود من العدم، وإنما يجيء من وجود قديم له هيئة مختلفة. والهيئة المستدامة لا يمكن أن تتغير، لأن الدائم متى ما طرأ عليه التغير لم يعد دائما. وعلى هذا، فالتغيّر الحقيقي مُحال. 

يستنتج بارمنيدس من هذا المسلك أن كل ما هو حقيقي لا بد أن يكون خالدا وغير متغير، ولا بد له من وحدة خافية تنتظمه: "الكل واحد". ما هو مهم للفلاسفة الذين تلوه، أن بارمنيدس أبان أن طريقة تفكرينا حيال العالم هي طريقة ركيكة ومتهافتة. قد يبدو لنا التغيّر في العالم، ولكن عقلنا يخبرنا أن التغير مُحال. والاستنتاج الذي نصل له أنه ليس بمقدورنا الاعتماد تماما على التجربة التي تزودنا بها حواسنا.

السبت، 23 نوفمبر 2013

ميجيل دي أونامونو (١٨٦٤-١٩٣٦): نحن صنيعة الألم فحسب

المجال: الأنطولوجيا - المقاربة: الوجودية
على الأرجح، فإن شهرة الفيلسوف الروائي والشاعر الإسباني ميجيل دي أونامونو، متأتية من كتابه "الإحساس التراجيدي بالحياة" (١٩١٣)، الذي سطّر فيه أن كل وعي هو وعي بالموت - شعور ممض يختلجنا بحقيقة عدم خلودنا - وبالشقاء.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الفكرة شبيهة بفكرة سيدهارتا غوتاما، البوذا، الذي قال أن لا مفر من الشقاء في حياة الإنسان. ولكن جواب أونامونو على الشقاء جواب مختلف تماما عن جواب البوذا، فعلى عكسه لا يرى أونامونو أن الشقاء مشكلة يجب تجاوزها بواسطة التزهّد، وإنما جزء أصيل في معنى أن نكون بشرا، وتجربة إنسانية حيوية.

إن كان كل وعي هو وعي بالفناء والشقاء الإنساني، وإن كان الوعي هو الذي يميزنا كبشر، فالسبيل الوحيد لإعطاء حياتنا ثقل ومعنى هو في اعتناق الشقاء. إن تجاهلناه، أي الشقاء، فإننا لا نتجاهل ما يميزنا كبشر فحسب، بل وأيضا نتجاهل الوعي ذاته.

الحب أو السعادة

هنالك بُعد أخلاقي لفكرة أونامونو عن الشقاء. يزعم أن من الضروري الإقرار بألمنا، لأنه إن وجهنا حقيقة شقاءنا صار بإمكاننا أن نُحب الكائنات الشقية الأخرى. هذا يضعنا أمام خيار حاسم؛ إما أن نختار السعادة ونفعل كل ما في طاقتنا لتجاهل الشقاء، وإما أن نختار الشقاء والحب. الخيار الأول قد يكون أسهل، لكنه يجعلنا منقوصين، إذ يبتر جزءا أصيلا فينا. الخيار الثاني هو الخيار الأصعب، ولكنه الخيار الذي يفتح الطريق أمام حياة حافلة بالعمق والمعنى.

الخميس، 21 نوفمبر 2013

ألبير كامو (١٩١٣-١٩٦٠): الحياة أفضل إن كانت بلا معنى

المجال: الإبيستمولوجيا - المقاربة: الوجودية
يعتقد البعض أن مهمة الفلسفة هي البحث عن معنى الحياة، إنما الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو يعتقد أن على الفلسفة أن تُقر بأن الحياة خالية من المعنى. قد تبدو هذه الفكرة في الوهلة الأولى مُحبطة، لكن كامو يعتقد أنه إن اعتنقنا هذه الفكرة صار بمقدرونا عيش الحياة بكل معنى الكلمة. 

فكرة كامو تظهر في مقالته "أسطورة سيزيف"، سيزيف كان ملكا إغريقيا غضبت منه الآلهة، فحكمت عليه بمصير بشع في الجحيم. فُرض عليه دحرجة صخرة عظيمة إلى أعلى التلة، وحين يصل إلى الأعلى تتدحرج الصخرة إلى الأسفل، ويلحقها سيزيف إلى الأسفل مُعيدا الفرض مرة تلو أخرى، وهكذا يعيده إلى الأبد. كامو بالغ الإعجاب بهذه الأسطورة، لأنها بدت له تختزل خلو حياتنا من المعنى، وعبثيتها. فالحياة نضال مستمر في إنجاز أشياء في جوهرها لا معنى لها. 

يقر كامو أن غالبية ما نفعله يبدو ذو معنى. ولكنه يقترح شيئا غاية في الحذق؛ فمن ناحية نحن كائنات واعية لا حول لها سوى أن تحيا الحياة كما لو أنها ذات معنى، ومن ناحية أخرى فهذا المعنى لا يقطن في الدنيا، إنه موجود فقط في عقولنا. فالدنيا جملة لا معنى لها ولا غاية، إنها وجود محض. ولكننا خلافا لباقي الكائنات الحية نملك وعيا، فلذا نحن كائنات من النوع الذي يجد معنى ومغزى في كل شيء.


الاقرار بالعبث

بالنسبة لكامو، فالعبث هو الشعور الذي ينتابنا حين نسلِّم بأن المعنى الذي نسبغه على الحياة لا يوجد خارج ذهننا؛ إنه حالة تناقض بين شعورنا بمعنى الحياة، وبين معرفتنا بأن الدنيا جملة هي من دون معنى. 

يبحث كامو في معنى العيش في ضوء هذا التناقض، فيزعم أنه فقط حين نقبل حقيقة أن الحياة خلو من المعنى، وأنها عبث، يمكننا أن نحياها بالتمام. فباعتناق العبث، تصير حياتنا ثورة مستمرة ضد دنيا خالية من المعنى، وهكذا نحيا أحرارا. 

تعهد الفيلسوف توماس ناجل هذه الفكرة إلى مدى أبعد، فقال أن عبث الحياة كامن في طبيعة الوعي، لأنه مهما أخذنا الحياة بجدية فإننا لا نُعدم منظور يقول لنا أن هذه الجدية يجب أن تُساءل.

الخميس، 14 نوفمبر 2013

فريدريك شليجل (١٧٧٢-١٨٢٩): ليس هناك موضوع لا يتم التفلسف فيه مثل الفلسفة

المجال: الميتافيزيقا - المقاربة: الانعكاسية
يتم غالبا نسب استخدام المأثورات (مقولات قصيرة ومبهمة) في الفلسفة الحديثة المتأخرة إلى المؤرخ والشاعر الألماني فريدرك شليجل. في عام ١٧٩٨ لاحظ أن ليس هناك موضوع يتم التفلسف فيه أقل من موضوع الفلسفة (ما وراء الفلسفة)، ملمحا إلى أن علينا مساءلة الكيفية التي تعمل فيها الفلسفة الغربية، وكذلك افتراضها أن البرهنة الخطيّة هي المقاربة الأصلح.
 

يُعارض شليجل مقاربات أرسطو وديكارت، قائلا أن من الخطأ افتراض وجود "مبادئ أولية" صلبة يمكن البناء عليها. كذلك يرى استحالة الوصول إلى إجابة نهائية، فكل نتيجة برهنة يمكن تحسينها بصورة لا نهائية. يقول شليجل، أن على الفلسفة دائما "أن تبدأ في المنتصف.. إنّها ناجزة، مسلك إدراكها هو مسلك دائري وليس مستقيما". نظرة شليجل الشمولية - رؤية الفلسفة ككل - تتوافق مع السياق الفضفاض لنظرياته الرومانسية عن الفن والحياة، التي تضع المشاعر فوق التفكير العقلاني، في معاندة لأغلب مفكري التنوير. ومع أن اتهامه للفلسفة السابقة عليه بأنها لم تفكر في الفلسفة ذاتها ليس صحيحا بالضرورة، أخذ معاصره جورج هيجل "الانعكاسية" على عاتقه، وهي التسمية الحديثة لتطبيق المناهج الفلسفية على الفلسفة ذاتها.

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

جوهان جوتليب فخته (١٧٦٢-١٨١٤): الفلسفة التي يختارها الشخص تعتمد على شخصيته

المجال: الإبيستمولوجيا - المقاربة: المثالية
كان جوهان جوتليب فخته فيلسوفا ألمانيا من القرن الثامن عشر، وتلميذا لإيمانويل كانط، فحص إمكانية أن نكون كائنات أخلاقية ذات إرادة حرة، في عالم يبدو محكوما بحتمية سببية، أي في عالم كل حدث فيه يكون نتيجة ضرورية لظروف وأحداث سابقة، وفقا لقوانين الطبيعة الثابتة.

فكرة أن عالما بهذه المواصفات "في الخارج"، أي وراء ذواتنا ومستقلا عنها، تعرف باسم "الدوغمائية"، وهي فكرة وجدت أرضيتها في حقبة التنوير، يعتقد فخته أنها لا تترك مكانا للقيمة ولا للاختيار الأخلاقي. يسأل، كيف لنا أن نعتبر الناس ذوي إرادة حرة إن كان كل شيء محدد بشيء يوجد خارجنا؟


عوضا عن ذلك يدعو فخته لنسخة من المثالية شبيهة بمثالية كانط، فيها تخلق عقولنا كل ما نعتقد أنه واقعي. في هذا العالم المثالي، الذات هي كيان فاعل، أو جوهر يوجد خارج تأثير السببية، قادر على التفكير والاختيار بحرية واستقلال وعفوية.


يرى فخته أن المثالية والدوغمائية هما نقطتي انطلاق مختلفتين تماما، ولا يمكن خلطهما في نظام فلسفي واحد، ولا يمكن اثبات أيهما الصحيح فلسفيا، ولا يمكن استخدام أحدهما لنقض الآخر. ولذلك، فغاية الأمر هو أن "نختار" أية فلسفة لنؤمن بها، ليس على أساس موضوعي أو لأسباب عقلانية، بل على أساس "شخصيتنا".

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

سيورين كيركجارد (١٨١٣-١٨٥٥): الهلع هو دوخة الحرية

المجال: الميتافيزيقا - المقاربة: الوجودية
تطورت فلسفة سيورين كيركجارد كرد فعل على المثالية الألمانية التي هيمنت على القارة الأوربية في منتصف القرن التاسع عشر، خصوصا فلسفة جورج هيجل. أراد كيركجارد إبطال فلسفة هيجل القائلة بنظام فلسفي كامل يضع البشر كجزء في عملية تاريخية حتمية، أراد إبطالها من خلال رؤية أكثر ذاتية، وكذلك أراد أن ينظر إلى "ما يعنيه أن نكون بشرا"، ليس في وسط نظام فلسفي كبير، بل كبشر يملكون زمام أنفسهم.
 

يؤمن كيركجارد أن ما يحدد حياتنا هي أفعالنا، التي هي نتاج خياراتنا، إذن فكيفية اتخاذنا الخيارات تحدد حياتنا. مثل هيجل يرى أن الخيار الأخلاقي هو خيار بين اللذائذية والأخلاقية، ولكنه على عكس هيجل الذي يرى أن خيارنا يتحدد بواسطة الظروف التاريخية والمكانية لزماننا، يعتقد كيركجارد أن الخيار الأخلاقي هو خيار حر بإطلاق، وفوق ذلك خيار ذاتي، فإرادتنا وحدها هي التي تتخذ القرار. ولكن، ليس هذا مما يدعو للسعادة، بل على العكس، فهذه الحرية المطلقة في الاختيار تستفز فينا شعورا من الهلع.
 

يوضّح كيركجارد هذا الشعور في كتابه "مفهوم الهلع". كمثال يطلب منا أن نتخيل رجلا يقف على هاوية أو على بناية شاهقة، إن نظر هذا الرجل للحافة سيجد في نفسه شعورين من الخوف: خوف من السقوط، وخوف من حافز يدفعه لأن يرمي بنفسه. النوع الثاني من الخوف، أو الهلع، ناتج عن ادراكه أنه يملك الحرية المطلقة في تقرير رمي نفسه من عدمه، وهذا الخوف يصيبه بالدوار كما تفعل الدوخة. يقترح كيركجارد أننا نختبر هذا الشعور في كل قراراتنا الأخلاقية، حين ندرك قدرتنا على اتخاذ أي قرار، حتى أكثر القرارات بشاعة. فيصف هذا الهلع بأنه "دوخة الحرية"، ويذهب لتبيين أنها وإن كانت تسبب القنوط، فهي تهزنا من غفلتنا لنعي الخيارات المتوفرة. هكذا يزداد وعينا بأنفسنا، ويصير عندنا مسؤولية شخصية.


أب الوجودية 

رفض معاصرو كيركجارد أفكاره، ولكنها صرت جسيمة التأثير في الأجيال القادمة. إصراره على أهمية وحرية خياراتنا، وعلى البحث الدؤوب عن المعنى والمغزى، قدم بنية الوجودية، تلك الفلسفة التي طورها نيتشه وهايدجر، وصارت على يد جان بول سارتر ناجزة. إنها تنظر في سبل عيش حياة حافلة بالمعنى في عالم بلا إله، وفيها كل فعل هو اختيار، باستثناء ولادتنا. لكن على عكس هؤلاء المفكرين المتأخرين، لم يتخل كيركجارد عن إيمانه بالله، ولكنه الأول الذي أكّد إدراك الذات، والهلع من الحرية المطلقة.

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

هاجيمي تاناب (١٨٨٥-١٩٦٢): اعترف، حتى تتفلسف


المجال: الأخلاق - المقاربة: الظاهراتية
 قبل أن تقرأ: اعترف! قد تبدو هذه فكرة غريبة، ولكنها إحدى الأفكار التي يريد لنا الفيلسوف الياباني هاجيمي تاناب أن نأخذها بجدية. يؤمن تاناب أنه إن أردنا التفلسف، فلا محيص لنا من أن نعترف. ولكن، بماذا نعترف، ولماذا؟

بغية الاجابة على هذه الأسئلة علينا أن نرى جذور فلسفة تاناب في التقاليد الفلسفية الأوروبية واليابانية. في الفلسفات الأروبية، لتاناب جذور تمتد لسقراط في القرن الخامس قبل الميلاد. وسقراط مهم لتاناب لأنه أعترف صراحة، أنه لا يعرف شيئا. فوفقا للقصة، قالت عرّافة دلفي أن سقراط أحكم الناس طرا في أثينا، فأراد سقراط الذي كان أكيدا من جهله أن يثبت خطأ العرّافة. وبعد محادثات لا تحصى مع أهل أثينا، استنتج أنه فعلا أحكم أهل المدينة، لأنه الوحيد القادر على تقبّل حقيقة أنه لا يعرف شيئا.

وفي الفلسفات اليابانية لفكرة تاناب جذور تتصل بالراهب البوذي شينران، المنتسب إلى مدرسة الأرض النقية في البوذية. كانت بدعة شينران تقول أن الاستنارة محالة إن نحن اعتمدنا على قدرتنا، بل علينا أن نعترف بجهلنا ومحدوديتنا، فنكون إذن مستعدين لما يدعوه شينران وتاناب بالتاريكي، أو "القدرة الأخرى". في بوذية الأرض النقية هذه القدرة الأخرى هي روح بوذا، أما في فلسفة تاناب فالاعتراف يقود إلى إدراك "العدمية المطلقة"، وبالتالي إلى يقظة الذات والحكمة.



هجر الذات

إذن فليست الفلسفة في نظر تاناب نقاش في مسائل دقيقة في المنطق، وليست حجاجا أو جدالا في هذه القضية أو تلك، بل وليست حتى نشاطا عقليا. إنها في نظر تاناب أمر أكثر جذرية، إنها عملية اتصال بوجودنا، على أعمق مستوى ممكن، وهذه فكرة تبلورت لديه جزئيا من قراءته لمارتن هايدجر. فمن خلال الاعتراف فحسب، يمكننا أن نعيد اكتشاف وجودنا الحقيقي، عملية يصفها بلغة دينية كعملية موت ثم نشور. هذا الموت والنشور هو عملية إعادة ولادة العقل من خلال "القدرة الأخرى"، وهي تمرّ من رؤية محدودة للذات إلى منظور مستنير. وهذا الانتقال ليس مجرد عملية تهيئة للتفلسف، إنها في حد ذاتها الفلسفة، وهي ذات جذور ريبية تؤدي إلى "هجر الذات وتسليمها للقدرة الأخرى". إن الفلسفة بعبارة أخرى ليست نشاطا نمارسه، ولكنها شيء يحدث لنا متى ما أمكننا الوصول إلى ذواتنا الحقيقة، بواسطة هجر ذواتنا، وهي ظاهرة يدعوها تاناب "فعل بلا فاعل".

يقول تاناب أن الذي يحدونا إلى إدراك محدوديتنا هو الاعتراف المستمر. وبعبارة أخرى، لا يطلب منا تاناب إيجاد إجابات جديدة لأسئلة الفلسفة القديمة، بل لإعادة تقويم طبيعة الفلسفة.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

هانز جورج جادمير (١٩٠٠-٢٠٠٢): نحن لا نملك التاريخ، بل التاريخ من يملكنا


المجال: فلسفة التاريخ - المقاربة: الهرمنيوطيقيا
يرتبط جادمير بنوع دقيق من الفلسفة، هو "الهرمنيوطيقا" (Hermeneutics). وهي كلمة مشتقة من الكلمة الإغريقية "هرمنيو" التي تعني "تأويل". إذن فهي تدرس الكيفية التي يؤوِّل بها البشر العالم.

درس جادمير الفلسفة على يد مارتن هايدجر، الذي قال بأن واجب الفلسفة هو تأويل الوجود، وهذا التأويل هو عملية مستمرة تهدف لتعميق فهمنا لما نعرفه ابتداء. العملية تشبه عملية تأويل قصيدة، حيث نبدأ بقرأتها بعناية على أساس من فهمنا الحالي، لكن ما أن نصادف بيتا غريبا أو صادما فإن الحاجة تستدعي أن نعمّق مستوى فهمنا. في أثناء عملية تأويل الأبيات على حدة قد يتغير فهمنا للقصيدة ككل؛ وبتغير فهمنا العام للقصيدة قد يتغير فهمنا للأبيات على حدة. هذا ما يُعرف بـ"الدورة الهرمنيوطيقية".

طريقة هايدجر الفلسفية تتخذ هذا الأسلوب الدائري، وهي الطريقة التي حققها جادمير في ما بعد في كتابه: "الحقيقة والمنهج". يذهب جادمير إلى القول بأن فهمنا ينطلق من نقطة معينة في التاريخ: تحيزاتنا ومعتقداتنا، الأسئلة التي نجدها جديرة بأن تُسأل، الإجابات التي تُرضينا؛ كلها نِتاج تاريخنا. ليس بمقدورنا أن نقف خارج التاريخ والثقافة، ولذلك ليس بمقدورنا الحصول على منظور موضوعي قاطع.

لكن هذه التحيزات يجب ألا ينظر إليها على أنه فاسدة، فهي - قبل وبعد كل شيء - نقطة الاستفتاح، وفهمنا الحالي للمعنى قائم على هذه التحيزات والأهواء. ولو كان بمقدورنا التخلص من كل التحيزات، لعرفنا أنه لن يفيدنا هذا في رؤية الأمور بشكل أكثر وضوحا. فمن دون بنية مسبقة للتأويل، لن نقدر على رؤية أي شيء على الاطلاق. 

 

حوار مع التاريخ

يرى جادمير أن عملية فهمنا لحياتنا وأنفسنا شبيهة بإجراء "حوار مع التاريخ". فالاختلاف في التقاليد والمسلمات، الذي نراه حين نقرأ نصوصا تاريخية وجدت لقرون خلت، يُظهر أمام أعيننا معاييرنا وتحيزاتنا الثقافية؛ مما يقودنا لتوسيع وتعميق فهمنا لحياتنا الحاضرة.

على سبيل المثال، إن أنا تناولت كتابا لأفلاطون، وقرأتُه بعناية، فإني لا أوسّع فهمي لأفلاطون فحسب، بل وأيضا قد أكتشف تحيزاتي وأهوائي وأجعلها جلية أمامي، وربما أتمكن من بدء تغييرها. من خلال هذا الحوار، أو كما يسميه جادمير "انصهار الآفاق"، يصير فهمي للعالم أكثر ثراء وعمقا.


الاثنين، 28 أكتوبر 2013

هربرت ماركيوز (١٨٩٨-١٩٧٩): الموجود لا يمكن أن يكون حقيقيا

المجال: الفلسفة السياسية - المقاربة: مدرسة فرانكفورت
في الوهلة الأولى، لا شيء يبدو أكثر افتقادا للعقل من قول ماركيوز أن "الموجود لا يمكن أن يكون حقيقيا". وهي عبارة وردت في كتابه الصادر عام ١٩٤١: "العقل والثورة". هذا يدفع القارئ للتساؤل: ما دام الموجود ليس حقيقيا، فما الحقيقي؟ فكرة ماركيوز عائدة لرغبته في اسقاط زعم الفيلسوف الألماني هيجل، الذي يقول: ما هو عقلاني هو موجود، وما هو موجود هو عقلاني. يعتقد ماركيوز أن فكرة هيجل فكرة خطيرة لأنه تقودنا لاعتقاد أن ما هو موجود هو بالضرورة عقلاني؛ على سبيل المثال: نظامنا السياسي القائم.

إنه يذكرنا أن الأشياء التي نعتبرها معقولة، قد تكون أبعد شيء عن المعقولية، ويريد منا أن نتيقظ للأشياء ذات الطبيعة غير المعقولة التي نقبلها دون تفكير على الأغلب.

 

العقل الهادم

على الخصوص، نجد لدى ماركيز قلقا عميقا من المجتمعات الرأسمالية، واصفا ما يراه فيها من "تناغم مرعب بين: الحرية والقمع، الانتاج والتهديم، النماء والتردي". فنحن نفترض أن المجتمعات التي نعيش فيها قائمة على العقل والعدل، لكننا إن أنعمنا النظر فيها ألفينها لا عادلة ولا عقلانية كما ظننا.

لا يريد ماركيوز أن يسقط العقل، ولكنه يحاول ايضاح أن العقل هادم، ويمكننا أن نستعين به لمساءلة المجتمعات التي نقطنها. هدف الفلسفة بالنسبة لماركيوز هو انتاج "نظرية عقلانية للمجتمع".

الأحد، 27 أكتوبر 2013

كارل ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩): يمكننا أن نكون فلاسفة كأفراد فحسب


المجال: الإبيستمولوجيا - المقاربة: الوجودية
الفلسفة، في نظر البعض، هي وسيلة لاكتشاف حقائق موضوعية عن العالم. لكنها في نظر الفيلسوف والطبيب النفسي كارل ياسبرز هي جهاد شخصي. واقعا تحت تأثير الفيلسوفين كيركجارد ونيتشه، ياسبرز هو وجودي يقترح أن الفلسفة مسألة محاولات لإدراك الحقيقة. وبما أن الفلسفة جهاد شخصي، يكتب ياسبرز في كتابه الصادر عام ١٩٤١ "في الفلسفة"، أنه ليس بمقدورنا التفلسف إلا كأفراد. لا نستطيع أن نتجه لأي أحد طلبا للحقيقة، يجب أن نكتشفها بأنفسنا، نتيجة لمجهوداتنا الخاصة.


مجتمع الأفراد

رغم أن هذا المفهوم يعتبر الحقيقة كشيء ننجزه فرادى، فإننا من خلال التواصل مع الآخرين نجني ثمار مجهوداتنا، ومن خلال التواصل نرفع مستوى وعينا وراء حدوده. يعتبر ياسبرز فلسفته "حقا" ما دامت تساعد على التواصل مع الآخرين. وبما أن الآخرين ليس بمقدورهم أعطائنا الحقيقة النجازة والجاهزة، فالفلسفة تستمر كمجهود جماعي. فالسعي الفردي من أجل الحقيقة يجري في مجتمع مكون من "رفاق الفكر"، الذين يأخذون على عاتقهم الجهاد الشخصي نفسه.


الجمعة، 25 أكتوبر 2013

تاتزورو واتزوجي (١٨٨٩-١٩٦٠): الخيار الأخلاقي الوحيد للفرد هو أن يضحي بذاته للجماعة

المجال: الأخلاق - المقاربة: الوجودية
كان تاتزورو واتزوجي أحد أبرز فلاسفة اليابان مطلع القرن العشرين. درس في اليابان وأوروبا. قدم اسهاما في الفلسفة الشرقية والغربية على السواء، ومثل مجايليه من الفلاسفة اليابانيين كانت أعماله مزيجا إبداعيا من التقليديْن الشرقي والغربي. 

نسيان الذات

دراسة واتزوجي للمدارس الأخلاقية الغربية جعلته يقتنع بأن المفكرين الغربيين يميلون إلى دراسة الطبيعة الانسانية من خلال رؤية فردانية، وكذا تكون نظرتهم للأخلاق. بالنسبة لواتزوجي لا يمكن فهم الأفراد إلا كتعبيرات عن سياقاتهم الزمانية والعلاقاتية والاجتماعية، وهذه التعبيرات تكوِّن "المناخ".

سبره لفكرة الطبيعة الانسانية يتم من خلال علاقاتنا بالجماعة، المكوِّنة للشبكة التي نوجد فيها، في الوضع الذي يسميه واتزوجي "البيْنيِّة". الأخلاق في نظر واتزوجي ليست قضية فعل فردي، وإنما عملية نسيان للذات، أو تضحية بالذات، في سبيل خير الجماعة.

الأخلاق القومية عند واتزوجي واصراره على تأكيد تفوق العنصر الياباني أدى إلى انعدام حظوته بُعيد الحرب العالمية الثانية، على أنه بعد برهة تبرأ من هذه الآراء.