‏إظهار الرسائل ذات التسميات أغسطين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أغسطين. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 مارس 2014

دزيدريوس إرازموس (١٤٦٦-١٥٣٦): في الجهل تكمن الحياة الأسعد


المجال: فلسفة الدين - المذهب: الإنسانوية

 "تُبلَغُ السعادة حين يدرك الشخص أنه مستعدٌ لأن يكون على سجيته".
دزيدريوس إرازموس
تعكس رسالة دزيدريوس إرازموس، المدعوة "في تفضيل الحماقة"؛ تعكس الأفكار الإنسانوية التي بدأت باجتياح أوروبا مطلعَ عصر النهضة، والتي مارست دورا رئيسا في الإصلاح الديني. إنها سخرية لاذعة من المفاسد، والمهاترات العقديّة، التي وقعت فيها الكنيسة الكاثوليكية، تنطوي على رأيهُ الجديّ الذي يقول: أن الحُمْق - ويعني به الجهل البريء - جزءٌ جوهريٌ من كوننا بشرا، وأنهُ الطريق الرئيس لبلوغ أقصى قدرٍ من السعادة والرضا؛ ويزعمُ أن المعرفة يمكن أن تصبحَ عبئا، ويمكن أن تقود إلى اشكالاتٍ قد تجعل الحياة مضنية. 

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

القديس أنسلم (١٠٣٣-١١٠٩): من خلال التفكير بالله نعلم وجوده

المجال: فلسفة الدين - المذهب: الأرسطية الأفلاطونية
يقول أنسلم: نؤمن أنك يا الله عظيم، ولا شيء أعظم منك يمكن أن تتوق له عقولنا.
مع أن المفكرين المسيحيين أعتقدوا إيمانا بوجود الله، فإنهم كانوا في العصور الوسطى ميالين لتبيين أن وجود الله ممكن إثباته بالحجة العقلية. فأخترع القديس أنسلم البرهان الوجودي، الذي يعد أكثر البراهين شهرة على الإطلاق. كان أنسلم فيلسوفا إيطاليا من القرن الحادي العشر، أقام برهانه على المنطق الأرسطي والتفكير الأفلاطوني، وعلى عبقريته الخاصة.

يتخيل أنسلم أنه يجادل أبلها ينكر وجود الله. يقوم البرهان على مسلمتين: الأولى، أن الله هو "أعظم شيء يمكن التفكير به". والثانية، أن الوجود خير من العدم. في نهاية البرهان يجبر الأبله إما إلى أن يناقض نفسه فيكون متهافتا، وإما أن يعترف بوجود الله. 

العديد من الفلاسفة قبلوا البرهان، كرينيه ديكارت وباروخ سبينوزا. ولكن بعض الفلاسفة أتخذ جانب الأبله. أحد معاصري أنسلم وهو جاونيلو المارومي، قال أنه بالإمكان أستخدام نفس هذا البرهان لإثبات وجود جزيرة رائعة، أكبر من أي جزيرة يمكن التفكير بها. وفي القرن الثامن عشر، أعترض إيمانويل كانط أن البرهان يتعامل مع الوجود وكأنه صفة للأشياء، كما لو أنني يمكن أن أصف معطفي بأنه: "أخضر، ومصنوع من الصوف، وموجود". فالوجود ليس كالخُضرة. ولو لم يوجد المعطف لما أمكن أن يكون أخضرا أو صوفا.

كذلك يعتقد كانط أن أنسلم مخطئ في قوله أن ما يوجد في الواقع وفي الذهن معا، خير مما يوجد في الذهن دون الواقع. ولكن الفلاسفة الآخرون لا يتفقون مع كانط. أليست لوحة فنية حقيقية خير من الصورة الذهنية للوحة التي توجد في ذهن الرسام قبل أن يبدأ عمله؟

حوار أنسلم والأبله

أنسلم: هل تتفق أنه لو وجد الله لكان أعظم شيء ممكن أن يوجد، وأن "لا شيء أعظم منه يمكن التفكير به"؟
الأبله: أجل.
أنسلم: وهل تتفق أن ذلك "الذي لا يمكن التفكير بما هو أعظم منه" موجود في عقلك؟
الأبله: أجل، موجود في عقلي، ولكن ليس له وجود في الواقع.
أنسلم: لكن ألن تتفق معي أن شيئا يوجد في العقل وفي الواقع على حد سواء هو شيء أعظم من شيء يوجد في العقل فقط؟
الأبله: أجل، أظن هذا. فمثلجات في يدي أفضل من مثلجات في خيالي.
أنسلم: إذن لو وجد "الشيء الذي لا أعظم منه يمكن التفكير به" في عقلك فقط، لكن أقل عظمة من لو وجد في الواقع.
الأبله: هذا صحيح، الموجود أعظم من المتخيل.
أنسلم: إذن فأنت تقول أن هناك شيء أعظم من ذلك "الذي لا يوجد ما هو أعظم منه"؟
الأبله: هذا كلام فاسد. 

أنسلم: بالضبط، والطريقة الوحيدة لتفادي هذا التناقض هو الإعتراف أن الله (الذي لا يوجد ما هو أعظم منه) موجود، في الذهن وفي الواقع.  

الجمعة، 6 ديسمبر 2013

ديوجين سينوب (٤٠٤-٣٢٣ق.م): الغني من رضي بالقليل

المجال: الأخلاق - المذهب: الكلبية
رافضا القيم الدنيوية، اختار ديوجين العيش في الطرقات، هازئا بالأعراف، يأكل - إن أكل - الفتات والمرق، ويرتدي المتسخ من الثياب. 

وصف أفلاطون  ديوجين بأنه "سقراط وقد حل به الجنون"، ورغم أنه لم يقصد إهانته فوصفه لا يبتعد كثيرا عن الحقيقة؛ فديوجين يشارك سقراط شغفه بالفضيلة ورفضه للراحة المادية، ولكنه يذهب بهذه الأفكار إلى أقصاها. فيقول أنه لأجل عيش حياة صالحة، أو حياة قمينة بالعيش؛ فمن الضروري التحرر من القيود الخارجية التي يفرضها المجتمع، وكذلك التحرر من عدم الرضى الداخلي الذي تسببه الشهوات والمشاعر والمخاوف. يمكن تحقيق هذا التحرر من خلال الاقتناع بالحياة البسيطة، المحكومة بالعقل والحاجات الطبيعية، مع الرفض قاطع للتقاليد بلا خجل، والبراءة من إشتهاء التملك والراحة.

كان ديوجين على رأس مجموعة من المفكرين عُرفوا لاحقا باسم "السينيكيين"، وهو لفظ مأخوذ من الكلمة الإغريقية "كونيكوس" التي تعني "شبيه الكلب"، إذن فهم "الكلبيون". التسمية تعكس تصميم الكلبيين على ازدراء جميع التقاليد والأعراف الاجتماعية، والعيش في حالة طبيعية قدر المستطاع. ويؤكدون أنه كلما زاد الشخص في أخذه بهذا المسلك في الحياة، كما فعل ديوجين من خلال عيش حياة الفقر متخذا برميلا فارغا كمسكن له، كان أقرب لعيش الحياة المثالية.

إذن فالسعيد من رضي بالقليل، ذلك الذي عاش حياته على إيقاع الطبيعة، متحررا من أغلال قيم وعادات المجتمع المتحضّر.

السبت، 23 نوفمبر 2013

ميجيل دي أونامونو (١٨٦٤-١٩٣٦): نحن صنيعة الألم فحسب

المجال: الأنطولوجيا - المقاربة: الوجودية
على الأرجح، فإن شهرة الفيلسوف الروائي والشاعر الإسباني ميجيل دي أونامونو، متأتية من كتابه "الإحساس التراجيدي بالحياة" (١٩١٣)، الذي سطّر فيه أن كل وعي هو وعي بالموت - شعور ممض يختلجنا بحقيقة عدم خلودنا - وبالشقاء.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الفكرة شبيهة بفكرة سيدهارتا غوتاما، البوذا، الذي قال أن لا مفر من الشقاء في حياة الإنسان. ولكن جواب أونامونو على الشقاء جواب مختلف تماما عن جواب البوذا، فعلى عكسه لا يرى أونامونو أن الشقاء مشكلة يجب تجاوزها بواسطة التزهّد، وإنما جزء أصيل في معنى أن نكون بشرا، وتجربة إنسانية حيوية.

إن كان كل وعي هو وعي بالفناء والشقاء الإنساني، وإن كان الوعي هو الذي يميزنا كبشر، فالسبيل الوحيد لإعطاء حياتنا ثقل ومعنى هو في اعتناق الشقاء. إن تجاهلناه، أي الشقاء، فإننا لا نتجاهل ما يميزنا كبشر فحسب، بل وأيضا نتجاهل الوعي ذاته.

الحب أو السعادة

هنالك بُعد أخلاقي لفكرة أونامونو عن الشقاء. يزعم أن من الضروري الإقرار بألمنا، لأنه إن وجهنا حقيقة شقاءنا صار بإمكاننا أن نُحب الكائنات الشقية الأخرى. هذا يضعنا أمام خيار حاسم؛ إما أن نختار السعادة ونفعل كل ما في طاقتنا لتجاهل الشقاء، وإما أن نختار الشقاء والحب. الخيار الأول قد يكون أسهل، لكنه يجعلنا منقوصين، إذ يبتر جزءا أصيلا فينا. الخيار الثاني هو الخيار الأصعب، ولكنه الخيار الذي يفتح الطريق أمام حياة حافلة بالعمق والمعنى.

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

هاجيمي تاناب (١٨٨٥-١٩٦٢): اعترف، حتى تتفلسف


المجال: الأخلاق - المقاربة: الظاهراتية
 قبل أن تقرأ: اعترف! قد تبدو هذه فكرة غريبة، ولكنها إحدى الأفكار التي يريد لنا الفيلسوف الياباني هاجيمي تاناب أن نأخذها بجدية. يؤمن تاناب أنه إن أردنا التفلسف، فلا محيص لنا من أن نعترف. ولكن، بماذا نعترف، ولماذا؟

بغية الاجابة على هذه الأسئلة علينا أن نرى جذور فلسفة تاناب في التقاليد الفلسفية الأوروبية واليابانية. في الفلسفات الأروبية، لتاناب جذور تمتد لسقراط في القرن الخامس قبل الميلاد. وسقراط مهم لتاناب لأنه أعترف صراحة، أنه لا يعرف شيئا. فوفقا للقصة، قالت عرّافة دلفي أن سقراط أحكم الناس طرا في أثينا، فأراد سقراط الذي كان أكيدا من جهله أن يثبت خطأ العرّافة. وبعد محادثات لا تحصى مع أهل أثينا، استنتج أنه فعلا أحكم أهل المدينة، لأنه الوحيد القادر على تقبّل حقيقة أنه لا يعرف شيئا.

وفي الفلسفات اليابانية لفكرة تاناب جذور تتصل بالراهب البوذي شينران، المنتسب إلى مدرسة الأرض النقية في البوذية. كانت بدعة شينران تقول أن الاستنارة محالة إن نحن اعتمدنا على قدرتنا، بل علينا أن نعترف بجهلنا ومحدوديتنا، فنكون إذن مستعدين لما يدعوه شينران وتاناب بالتاريكي، أو "القدرة الأخرى". في بوذية الأرض النقية هذه القدرة الأخرى هي روح بوذا، أما في فلسفة تاناب فالاعتراف يقود إلى إدراك "العدمية المطلقة"، وبالتالي إلى يقظة الذات والحكمة.



هجر الذات

إذن فليست الفلسفة في نظر تاناب نقاش في مسائل دقيقة في المنطق، وليست حجاجا أو جدالا في هذه القضية أو تلك، بل وليست حتى نشاطا عقليا. إنها في نظر تاناب أمر أكثر جذرية، إنها عملية اتصال بوجودنا، على أعمق مستوى ممكن، وهذه فكرة تبلورت لديه جزئيا من قراءته لمارتن هايدجر. فمن خلال الاعتراف فحسب، يمكننا أن نعيد اكتشاف وجودنا الحقيقي، عملية يصفها بلغة دينية كعملية موت ثم نشور. هذا الموت والنشور هو عملية إعادة ولادة العقل من خلال "القدرة الأخرى"، وهي تمرّ من رؤية محدودة للذات إلى منظور مستنير. وهذا الانتقال ليس مجرد عملية تهيئة للتفلسف، إنها في حد ذاتها الفلسفة، وهي ذات جذور ريبية تؤدي إلى "هجر الذات وتسليمها للقدرة الأخرى". إن الفلسفة بعبارة أخرى ليست نشاطا نمارسه، ولكنها شيء يحدث لنا متى ما أمكننا الوصول إلى ذواتنا الحقيقة، بواسطة هجر ذواتنا، وهي ظاهرة يدعوها تاناب "فعل بلا فاعل".

يقول تاناب أن الذي يحدونا إلى إدراك محدوديتنا هو الاعتراف المستمر. وبعبارة أخرى، لا يطلب منا تاناب إيجاد إجابات جديدة لأسئلة الفلسفة القديمة، بل لإعادة تقويم طبيعة الفلسفة.

السبت، 26 أكتوبر 2013

حنة أرندت (١٩٠٦-١٩٧٥): الشر المبتذل


المجال: الأخلاق - المقاربة: الوجودية
في عام ١٩٦١ شهدت الفيلسوفة حنة أرندت محاكمة أدولف إيخمان، أحد مُدبري الهولوكوست. كتبت أرندت في كتابها "إيخمان في القدس" عن ألفة مظهر إيخمان، الرجل الماثل أمامها في المنصة لا يبدو وحشا كما يمكن أن نعتقد. لن يبدو غريبا لو صادفناه في مقهى أو في شارع.


إخفاق في التقدير

بعد أن شهدت المحاكمة، توصلت أرندت إلى استنتاج أن الشر لا يصدر عن بغض أو عن سرور في إلحاق الأذى، بل إنها تقترح أن الأسباب التي تجعل الناس يتصرفون بهذه الطريقة هي أنهم ضحايا فشل في تحكيم العقل. النظم السياسية القمعية تستغل ميلنا للوقوع في هذا الخطأ، فتتمكن من جعل هذه التصرفات التي نعتبرها بالعادة ممتنعة على التفكير بسبب فضاعتها، تبدو طبيعية.


فكرة أن الشر عادي ومبتذل، لا تجرِّد أفعال الشر من رعبها. على العكس، عدم وصف من يقومون بهذه الأفعال المروِّعة بأنهم "وحوش"، يجعل هذه الأفعال قرينة لحياتنا اليومية، وتجعلنا ندرك مقدار الشر الذي نقدر على فعله. لذا علينا أن نحصِّن أنفسنا من مخاطر فشل أنظمتنا السياسية، وكذلك من مخاطر فشلنا المحتمل في التقدير والتفكير، هذه وصية أرندت.