‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيجل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيجل. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

سلافوي زيزاك (1949): أفضل التحليلات الماركسية دائما ما تكون تحليلا لفشل

المجال: الفلسفة السياسية - المذهب: الماركسية
ظهرت الفكرة التي تقول إنَّ أفضلَ التحليلات الماركسية هي التحليلات التي تتناول حالات الفشل، في مقابلة اجراها الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزاك عام 2008. فلقد سُئل زيزاك في المقابلة عن رأيه في أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968، حيث لم تكد تبدأ فترة من الإصلاح، هدفت إلى تخفيف مركزية القرار وزيادة الديمقراطية في البلد، حتى تم انهاؤها بشكل عنيف من قبل الاتحاد السوفييتي وحلفائه. أجاب زيزاك، أن سحق الإصلاحات أصبح لاحقا مصدرا لأسطورة حملها اليسار السياسي، ألا وهي: لو أن الإصلاحات سارت في طريقها، لحلَّ على أثرها نعيم سياسي واجتماعي.

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

لودفيك أندرياس فيورباخ (١٨٠٤-١٨٧٢): علم الكلام هو علم الإنسان

المجال: فلسفة الدين - المذهب: الإلحاد
في مسعى الإسرائيليين للحصول على اليقين والطمأنينة، خلقوا إلها هو العجل، وعبدوه. يقول فيورباخ، أن كل الآلهة خُلقت هكذا.
أكثر ما يعرف به الفيلسوف الألماني لودفيك فيورباخ هو كتابه “جوهر المسيحية”، الذي ألهم جيلا من المفكرين الثوريين ككارل ماركس وفريدريك إنجلز. يوظف الكتاب غالب التفكير الفلسفي لجورج هيجل، ولكن حيث يرى هيجل أن الروح المطلق هو القوة المرشدة للطبيعة، فإن فيورباخ لا يرى سببا يجعلنا ننظر إلى ما وراء المحسوسات لتفسير الوجود. وبالنسبة له، فالبشر ليسوا تمظهرا خارجيا للروح المطلق، ولكن العكس: نحن الذين أخترعنا فكرة الروح العظيم، الإله، من آملنا ورغباتنا.

تَخْيُّل الإله

يقترح فيورباخ أنه في مسعانا لتجسيد كل ما هو صالح في الإنسان - كالحب والشفقة واللطف وهلم جرا - تخيلنا كائنا يحوزها في صورتها الأسمى، وسميناه “الله”. إذن فعلم الكلام (دراسة الله)، ليس شيئا سوى علم الإنسان (دراسة الإنسان). ولم نخدع أنفسنا في الإعتقاد بوجوده فحسب، بل وأيضا نسينا أو تخلينا عن أنفسنا. لقد أضعنا حقيقة أن هذه الفضائل هي فضائل توجد في البشر، وليس في الآلهة. ولهذا علينا أن نهمل النظر في الفضائل السماوية، ونركز النظر في العدالة البشرية؛ فالناس في هذه الحياة، وعلى هذه الأرض، هم من يستحق انتباهنا.

الخميس، 14 نوفمبر 2013

فريدريك شليجل (١٧٧٢-١٨٢٩): ليس هناك موضوع لا يتم التفلسف فيه مثل الفلسفة

المجال: الميتافيزيقا - المقاربة: الانعكاسية
يتم غالبا نسب استخدام المأثورات (مقولات قصيرة ومبهمة) في الفلسفة الحديثة المتأخرة إلى المؤرخ والشاعر الألماني فريدرك شليجل. في عام ١٧٩٨ لاحظ أن ليس هناك موضوع يتم التفلسف فيه أقل من موضوع الفلسفة (ما وراء الفلسفة)، ملمحا إلى أن علينا مساءلة الكيفية التي تعمل فيها الفلسفة الغربية، وكذلك افتراضها أن البرهنة الخطيّة هي المقاربة الأصلح.
 

يُعارض شليجل مقاربات أرسطو وديكارت، قائلا أن من الخطأ افتراض وجود "مبادئ أولية" صلبة يمكن البناء عليها. كذلك يرى استحالة الوصول إلى إجابة نهائية، فكل نتيجة برهنة يمكن تحسينها بصورة لا نهائية. يقول شليجل، أن على الفلسفة دائما "أن تبدأ في المنتصف.. إنّها ناجزة، مسلك إدراكها هو مسلك دائري وليس مستقيما". نظرة شليجل الشمولية - رؤية الفلسفة ككل - تتوافق مع السياق الفضفاض لنظرياته الرومانسية عن الفن والحياة، التي تضع المشاعر فوق التفكير العقلاني، في معاندة لأغلب مفكري التنوير. ومع أن اتهامه للفلسفة السابقة عليه بأنها لم تفكر في الفلسفة ذاتها ليس صحيحا بالضرورة، أخذ معاصره جورج هيجل "الانعكاسية" على عاتقه، وهي التسمية الحديثة لتطبيق المناهج الفلسفية على الفلسفة ذاتها.

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

جوهان جوتليب فخته (١٧٦٢-١٨١٤): الفلسفة التي يختارها الشخص تعتمد على شخصيته

المجال: الإبيستمولوجيا - المقاربة: المثالية
كان جوهان جوتليب فخته فيلسوفا ألمانيا من القرن الثامن عشر، وتلميذا لإيمانويل كانط، فحص إمكانية أن نكون كائنات أخلاقية ذات إرادة حرة، في عالم يبدو محكوما بحتمية سببية، أي في عالم كل حدث فيه يكون نتيجة ضرورية لظروف وأحداث سابقة، وفقا لقوانين الطبيعة الثابتة.

فكرة أن عالما بهذه المواصفات "في الخارج"، أي وراء ذواتنا ومستقلا عنها، تعرف باسم "الدوغمائية"، وهي فكرة وجدت أرضيتها في حقبة التنوير، يعتقد فخته أنها لا تترك مكانا للقيمة ولا للاختيار الأخلاقي. يسأل، كيف لنا أن نعتبر الناس ذوي إرادة حرة إن كان كل شيء محدد بشيء يوجد خارجنا؟


عوضا عن ذلك يدعو فخته لنسخة من المثالية شبيهة بمثالية كانط، فيها تخلق عقولنا كل ما نعتقد أنه واقعي. في هذا العالم المثالي، الذات هي كيان فاعل، أو جوهر يوجد خارج تأثير السببية، قادر على التفكير والاختيار بحرية واستقلال وعفوية.


يرى فخته أن المثالية والدوغمائية هما نقطتي انطلاق مختلفتين تماما، ولا يمكن خلطهما في نظام فلسفي واحد، ولا يمكن اثبات أيهما الصحيح فلسفيا، ولا يمكن استخدام أحدهما لنقض الآخر. ولذلك، فغاية الأمر هو أن "نختار" أية فلسفة لنؤمن بها، ليس على أساس موضوعي أو لأسباب عقلانية، بل على أساس "شخصيتنا".

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

سيورين كيركجارد (١٨١٣-١٨٥٥): الهلع هو دوخة الحرية

المجال: الميتافيزيقا - المقاربة: الوجودية
تطورت فلسفة سيورين كيركجارد كرد فعل على المثالية الألمانية التي هيمنت على القارة الأوربية في منتصف القرن التاسع عشر، خصوصا فلسفة جورج هيجل. أراد كيركجارد إبطال فلسفة هيجل القائلة بنظام فلسفي كامل يضع البشر كجزء في عملية تاريخية حتمية، أراد إبطالها من خلال رؤية أكثر ذاتية، وكذلك أراد أن ينظر إلى "ما يعنيه أن نكون بشرا"، ليس في وسط نظام فلسفي كبير، بل كبشر يملكون زمام أنفسهم.
 

يؤمن كيركجارد أن ما يحدد حياتنا هي أفعالنا، التي هي نتاج خياراتنا، إذن فكيفية اتخاذنا الخيارات تحدد حياتنا. مثل هيجل يرى أن الخيار الأخلاقي هو خيار بين اللذائذية والأخلاقية، ولكنه على عكس هيجل الذي يرى أن خيارنا يتحدد بواسطة الظروف التاريخية والمكانية لزماننا، يعتقد كيركجارد أن الخيار الأخلاقي هو خيار حر بإطلاق، وفوق ذلك خيار ذاتي، فإرادتنا وحدها هي التي تتخذ القرار. ولكن، ليس هذا مما يدعو للسعادة، بل على العكس، فهذه الحرية المطلقة في الاختيار تستفز فينا شعورا من الهلع.
 

يوضّح كيركجارد هذا الشعور في كتابه "مفهوم الهلع". كمثال يطلب منا أن نتخيل رجلا يقف على هاوية أو على بناية شاهقة، إن نظر هذا الرجل للحافة سيجد في نفسه شعورين من الخوف: خوف من السقوط، وخوف من حافز يدفعه لأن يرمي بنفسه. النوع الثاني من الخوف، أو الهلع، ناتج عن ادراكه أنه يملك الحرية المطلقة في تقرير رمي نفسه من عدمه، وهذا الخوف يصيبه بالدوار كما تفعل الدوخة. يقترح كيركجارد أننا نختبر هذا الشعور في كل قراراتنا الأخلاقية، حين ندرك قدرتنا على اتخاذ أي قرار، حتى أكثر القرارات بشاعة. فيصف هذا الهلع بأنه "دوخة الحرية"، ويذهب لتبيين أنها وإن كانت تسبب القنوط، فهي تهزنا من غفلتنا لنعي الخيارات المتوفرة. هكذا يزداد وعينا بأنفسنا، ويصير عندنا مسؤولية شخصية.


أب الوجودية 

رفض معاصرو كيركجارد أفكاره، ولكنها صرت جسيمة التأثير في الأجيال القادمة. إصراره على أهمية وحرية خياراتنا، وعلى البحث الدؤوب عن المعنى والمغزى، قدم بنية الوجودية، تلك الفلسفة التي طورها نيتشه وهايدجر، وصارت على يد جان بول سارتر ناجزة. إنها تنظر في سبل عيش حياة حافلة بالمعنى في عالم بلا إله، وفيها كل فعل هو اختيار، باستثناء ولادتنا. لكن على عكس هؤلاء المفكرين المتأخرين، لم يتخل كيركجارد عن إيمانه بالله، ولكنه الأول الذي أكّد إدراك الذات، والهلع من الحرية المطلقة.

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

جوليا كريستيفا (١٩٤١): ما السلطة التي تخضع لها الحركة النسوية في يومنا هذا؟

المجال: الفلسفة السياسة - المقاربة: النسوية
تُعد الفيلسوفة والمحللة النفسية البلغارية المولد، الفرنسية الجنسية، جوليا كريستيفا أحد أهم الأصوات في النسوية الفرنسية. ومع ذلك، فحقيقة انتساب كريستيفا إلى النسوية هي موضع جدل. وهذا يعود جزئيا إلى كون كريستيفا نفسها تجد مفهوم "النسوية" مُشكلا. فالنسوية ظهرت في سياق الصراع الذي خاضته النساء ضد الهياكل المتصلة بالسلطة أو الهيمنة الذكورية، وبسبب هذه الجذور تحذِّر كريستيفا من أن النسوية قد حملت في داخلها بعضا من المسلمات الذكورية التي تسعى أساسا إلى مساءلتها. 

ترى كريستيفا أنه من الجوهري للحركة النسوية إذا أرادت أن تحقق أهدافها، أن تمارس المزيد من نقد الذات. وتحذِّر أنه من خلال سعي النسوية لمحاربة، ما تدعوه كريستيفا، "مبدأ السلطة" في عالم الهيمنة الذكورية، فإن النسوية على خطر أن تتبنى صيغة مشابهة لهذا المبدأ. وهي على قناعة أنه إن أرادت أي حركة تحقيق التحرير المرجو، فعليها أن تُسائل باستمرار علاقتها بالسلطة والنظام الاجتماعي القائم، وبل إذا دعت الحاجة، أن "تتخلى عن إيمانها بهويتها". وإذا ما فشلت الحركة النسوية باتخاذ هذه الخطوات، فكريستيفا تخشى من أن تصير النسوية مجرد قوة إضافية في لعبة السلطة القائمة.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

هانز جورج جادمير (١٩٠٠-٢٠٠٢): نحن لا نملك التاريخ، بل التاريخ من يملكنا


المجال: فلسفة التاريخ - المقاربة: الهرمنيوطيقيا
يرتبط جادمير بنوع دقيق من الفلسفة، هو "الهرمنيوطيقا" (Hermeneutics). وهي كلمة مشتقة من الكلمة الإغريقية "هرمنيو" التي تعني "تأويل". إذن فهي تدرس الكيفية التي يؤوِّل بها البشر العالم.

درس جادمير الفلسفة على يد مارتن هايدجر، الذي قال بأن واجب الفلسفة هو تأويل الوجود، وهذا التأويل هو عملية مستمرة تهدف لتعميق فهمنا لما نعرفه ابتداء. العملية تشبه عملية تأويل قصيدة، حيث نبدأ بقرأتها بعناية على أساس من فهمنا الحالي، لكن ما أن نصادف بيتا غريبا أو صادما فإن الحاجة تستدعي أن نعمّق مستوى فهمنا. في أثناء عملية تأويل الأبيات على حدة قد يتغير فهمنا للقصيدة ككل؛ وبتغير فهمنا العام للقصيدة قد يتغير فهمنا للأبيات على حدة. هذا ما يُعرف بـ"الدورة الهرمنيوطيقية".

طريقة هايدجر الفلسفية تتخذ هذا الأسلوب الدائري، وهي الطريقة التي حققها جادمير في ما بعد في كتابه: "الحقيقة والمنهج". يذهب جادمير إلى القول بأن فهمنا ينطلق من نقطة معينة في التاريخ: تحيزاتنا ومعتقداتنا، الأسئلة التي نجدها جديرة بأن تُسأل، الإجابات التي تُرضينا؛ كلها نِتاج تاريخنا. ليس بمقدورنا أن نقف خارج التاريخ والثقافة، ولذلك ليس بمقدورنا الحصول على منظور موضوعي قاطع.

لكن هذه التحيزات يجب ألا ينظر إليها على أنه فاسدة، فهي - قبل وبعد كل شيء - نقطة الاستفتاح، وفهمنا الحالي للمعنى قائم على هذه التحيزات والأهواء. ولو كان بمقدورنا التخلص من كل التحيزات، لعرفنا أنه لن يفيدنا هذا في رؤية الأمور بشكل أكثر وضوحا. فمن دون بنية مسبقة للتأويل، لن نقدر على رؤية أي شيء على الاطلاق. 

 

حوار مع التاريخ

يرى جادمير أن عملية فهمنا لحياتنا وأنفسنا شبيهة بإجراء "حوار مع التاريخ". فالاختلاف في التقاليد والمسلمات، الذي نراه حين نقرأ نصوصا تاريخية وجدت لقرون خلت، يُظهر أمام أعيننا معاييرنا وتحيزاتنا الثقافية؛ مما يقودنا لتوسيع وتعميق فهمنا لحياتنا الحاضرة.

على سبيل المثال، إن أنا تناولت كتابا لأفلاطون، وقرأتُه بعناية، فإني لا أوسّع فهمي لأفلاطون فحسب، بل وأيضا قد أكتشف تحيزاتي وأهوائي وأجعلها جلية أمامي، وربما أتمكن من بدء تغييرها. من خلال هذا الحوار، أو كما يسميه جادمير "انصهار الآفاق"، يصير فهمي للعالم أكثر ثراء وعمقا.


الاثنين، 28 أكتوبر 2013

هربرت ماركيوز (١٨٩٨-١٩٧٩): الموجود لا يمكن أن يكون حقيقيا

المجال: الفلسفة السياسية - المقاربة: مدرسة فرانكفورت
في الوهلة الأولى، لا شيء يبدو أكثر افتقادا للعقل من قول ماركيوز أن "الموجود لا يمكن أن يكون حقيقيا". وهي عبارة وردت في كتابه الصادر عام ١٩٤١: "العقل والثورة". هذا يدفع القارئ للتساؤل: ما دام الموجود ليس حقيقيا، فما الحقيقي؟ فكرة ماركيوز عائدة لرغبته في اسقاط زعم الفيلسوف الألماني هيجل، الذي يقول: ما هو عقلاني هو موجود، وما هو موجود هو عقلاني. يعتقد ماركيوز أن فكرة هيجل فكرة خطيرة لأنه تقودنا لاعتقاد أن ما هو موجود هو بالضرورة عقلاني؛ على سبيل المثال: نظامنا السياسي القائم.

إنه يذكرنا أن الأشياء التي نعتبرها معقولة، قد تكون أبعد شيء عن المعقولية، ويريد منا أن نتيقظ للأشياء ذات الطبيعة غير المعقولة التي نقبلها دون تفكير على الأغلب.

 

العقل الهادم

على الخصوص، نجد لدى ماركيز قلقا عميقا من المجتمعات الرأسمالية، واصفا ما يراه فيها من "تناغم مرعب بين: الحرية والقمع، الانتاج والتهديم، النماء والتردي". فنحن نفترض أن المجتمعات التي نعيش فيها قائمة على العقل والعدل، لكننا إن أنعمنا النظر فيها ألفينها لا عادلة ولا عقلانية كما ظننا.

لا يريد ماركيوز أن يسقط العقل، ولكنه يحاول ايضاح أن العقل هادم، ويمكننا أن نستعين به لمساءلة المجتمعات التي نقطنها. هدف الفلسفة بالنسبة لماركيوز هو انتاج "نظرية عقلانية للمجتمع".

السبت، 26 أكتوبر 2013

تيودور أدورنو (١٩٠٣-١٩٦٩): الذكاء مقولة أخلاقية

المجال: الأخلاق - المقاربة: مدرسة فرانكفورت
لفكرة "الأبله التقي" امتداد سحيق في الغرب، نجد بدايتها في رسالة القديس بولس إلى أهل كورنثوس حيث يرجو أتباعه أن يكونوا "بلهاء للمسيح". وعلى امتداد العصور الوسطى تطورت هذه الفكرة في الثقافة الشعبية في صورة القديس أو الحكيم الأبله أو المفتقد للذكاء، ولكن النقي الصالح أخلاقيا. في كتابه "الحد الأدنى للأخلاق" يفحص الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو هذا التقليد القديم. يستريب أن وراء هذا التقليد محاولات لأجل "تبرئة وتجميل الأبله". وبدلا عن ذلك يهدف لتبيان أن الخيريّة لابد أن تقتضي كياننا كله، شاملا الوجدان والفهم.

مشكلة فكرة الأبله التقي في نظر أدورنو أنها تفككنا إلى عدة أجزاء، ونتيجة لهذا فهي تجعلنا عاجزين عن الفعل العاقل على الاطلاق. وفي الواقع فإن الحكم الأخلاقي يقاس بمدى اتساق الفهم مع الوجدان. نظرة أدورنو تفترض ضِمنا أن أفعال الشر ليست فشلا على المستوى الوجداني فحسب، بل وأيضا فشل في الذكاء والفهم.  

كان أدرنو عضوا في مدرسة فرانكفورت، وهي مجموعة مهتمة بدراسة التطور الرأسمالي. يشجب أدرنو وسائل الاتصال الجماهيري، كالمذياع والتلفاز، زاعما أنها أدت لتأكل ذكائنا ووجداننا، وإلى اضمحلال قدرتنا على اتخاذ اختيارات وأحكام أخلاقية. في اعتبار أدرنو، حين نتخذ قرارا بتعطيل أدمغتنا من خلال مشاهدة الأفلام التجارية (هذا أصلا إن كان بمقدورنا أتخاذ هذا القرار، نظرا إلى حالة الثقافة السائدة التي نوجد بها)، فنحن نتخذ قرارا أخلاقيا. يؤمن أدرنو أن الثقافة الشعبية ليس فقط تجعلنا أغبياء، بل وأيضا تجعلنا عاجزين عن التصرف أخلاقيا.

مشاعر جوهرية

يرى أدورنو أنه مثلما أننا نرتكب خطأ حين ينعتقد أنه يوجد شيء يدعى أبله تقي، فأننا نرتكب خطأ مماثلا حين نعتقد بوجود حكم قائم على الذكاء فقط، أي بإقصاء المشاعر. يمكن أن يحدث هذا في المحكمة، حيث ينبه القضاة المحلفين عادة أن يزيحوا مشاعرهم جانبا، حتى يتوفر لهم إمكان اصدار حكم دقيق.  

لكن في نظر أدورنو فليس بامكاننا اتخاذ قرار حكيم إن نحن هجرنا العاطفة أو الذكاء.
يقول أدورنو أنه إن افرغنا العاطفة من التفكير فلن يبقى شيء نفكر به، وتصوّر أن الذكاء قد ينتفع باضمحلال العاطفة هو تصوّر خاطئ. لهذه الأسباب يرى أدورنو أن العلوم، وهي صنف من المعرفة لا يقيم وزنا للعاطفة، لها مفعول يجرِّد الانسان من انسانيته، كما تفعل الثقافة الشعبية. 

وللمفارقة قد تكون العلوم هي المُبرهِنة على صواب فلسفة أدورنو في الفهم والوجدان. فمنذ التسعينات درس علماء كأنتطونيو دماسيو المشاعر والدماغ، مقدمين أدلة على الدور الذي تلعبه المشاعر في عملية صنع القرار. لذا فإن كنا نرغب باتخاذ حكم يتصف بالحكمة، أو حتى لاتخاذ أي قرار أصلا، فلا محيص لنا من توظيف المشاعر والذكاء على حد سواء. 

الجمعة، 25 أكتوبر 2013

جورج سنتيانا (١٨٦٣-١٩٥٢): الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم تكراره


المجال: فلسفة التاريخ - المقاربة: الطبيعانية
كتب الفيلسوف الإسباني-الأمريكي جورج سنتيانا في كتابه "حياة العقل"، أن الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم تكراره. المقاربة الطبيعيانية (Naturalistic) لسنتيانا تعني أن المعرفة والاعتقاد في نظره ينشأن عن تفاعل بين عقولنا وبين العالم المادي، لا عن التفكير المجرد.
 
غالبا ما يساء فهم كلام سنتيانا بخصوص تذكر الماضي، أنه يقصد أن نتذكر الكوارث التي حصلت في الماضي حتى لا تتكرر. بينما سنتيانا يتحدث عن فكرته عن "التقدم"، فلأجل أن يكون التقدم ممكنا، لابد لنا من تذكر التجارب الماضية والتعلم منها أيضا، من خلال رؤية الطرق المختلفة في إنجاز الأمور. فالعقل الانساني يبني معتقدات جديدة من خلال التجارب، وهكذا نستطيع تفادي تكرار الأخطاء. التقدم الحقيقي في نظر سنتيانا ليس مسألة ثورة وإنما عملية تبنٍّ؛ أن نأخذ ما تعلمناه من الماضي لبناء المستقبل. الحضارة تراكم، بناء على ما مضى، مثلما أن السيمفونية هي عملية تراكم نوتات موسيقية.